quds

القُدسُ .. من للقُدسِ إلا أَنْتْ

Create Account
Login
Login
Please wait, authorizing ...

0
0
0
s2sdefault

على الرغم من أن علاقة التعليم بالديمقراطية من المواضيع الكلاسيكية في حقول معرفية عدة، إلا أن الفيلسوفة الأمريكية وأستاذة القانون والأخلاق بجامعة شيكاغو مارتا نوسباوم، تتصدى بالتحليل لإشكالية غير معتادة ألا وهي أهمية العلوم الإنسانية والفنون في بناء الديمقراطية والحفاظ عليها، منطلقة في ذلك من الوضع الحالي للدول الديمقراطية التي تزايدت فيها التوجهات السياسية المركزة على الربح والمنبذة للمهارات، ومستعينة في دفوعاتها بتجربتها الطويلة والمهمة واطلاعها الواسع على الفلسفة وتجربة التعليم الغربي وغير الغربي.

وقد ركزت في كتابها، الذي تدافع من خلاله على دور الإنسانيات والفنون في التعليم في بناء الديمقراطية والمواطنة على جملة من الأفكار. يمكن التركيز على ما يلي:

أولا: تحولات التعليم: الربح مزيد من الربح الاقتصادي

تنتقد الفيلسوفة الأمريكية بشدة الأطروحات النظرية التي تعطي الأولوية للتنمية الاقتصادية في بناء الديمقراطية، وتجعل من النماء الاقتصادي هدفا لأمة ما، ولا تهتم بتوزيع الثروات ولا بتحقيق المساواة، ولا بالشروط الأخرى لكل ديمقراطية مستقرة، ولا الجوانب الأخرى من جودة حياة الإنسان، باعتبار هذه النظرية تؤمن بتحقيق نمو اقتصادي يوصل إلى نتائج إيجابية بالنسبة للمستويات الأخرى؛ الصحة والتعليم، والتخفيف من اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية.

ونقدها لهذه الأطروحات لا يتأسس على ما هو نظري فقط، بل إن منطلقها الأساسي في ذلك، هو استمرار هيمنة هذا النموذج النظري على القرارات السياسية، وتزايد تطبيقه في الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، وكذا من طرف المؤسسات الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

تشكك الفيلسوفة في ادعاءات دعاة التنمية الاقتصادية أولا، إذ إن التجارب بينت أن الحرية السياسية، وتحسين الصحة، وتقدم التعليم، لا تتبع النماء الاقتصادي، وأن تحقيق هذا الأخير لا يعني تحقيق الديمقراطية.[1] كما أن عدة دول وولايات أثبتت تجاربها إمكانية تحقيق النمو بشكل جيد بلا مهارات في علم الحاسب والتقنية.[2]

وتنبه المفكرة الأمريكية إلى مفارقة تعرفها عدد من الدول كالولايات المتحدة، والهند، ذلك أنه بالرغم من أن دساتير هذه الدول تقر جملة من الحقوق الأساسية السياسية والمدنية كالمساواة أمام القانون بغض النظر عن العرق أو اللون أو الدين، والحق في التعليم، الذي لا يقره الدستور الأمريكي، لكن تنص عليه العديد من دساتير الولايات، إلا أن أغلب أسس التعليم ومعاييره، أصبحت تنصب في التعليم من أجل الربح وحده، وتحقيق التنمية الاقتصادية أولا في معظم الدول التي تريد الحصول على حصة أكبر في السوق العالمي؛ أي ذلك النموذج القائم على تعلم مهارات أساسية متمثلة في القراءة والكتابة والحساب، ومهارات متقدمة في علم الحاسب والتقنية، وتخفيض تدريس الفنون والإنسانيات على كل المستويات، لدرجة أصبح معها التفاخر بالدخول إلى المعاهد التقنية والإدارة، والخجل من تدريس الأدب والفلسفة ثقافة شائعة، واعتبارها رتوشات لا فائدة منها.

وإذا كان كسب التنافس في السوق يعتبر ربحا مباشرا بالنسبة إلى التعليم من أجل الفائدة الاقتصادية الوطنية، فإن التكلفة غير المباشرة ضخمة على مستوى العقول والقلوب، وخسران الجوانب الإنسانية من العلوم والعلوم الاجتماعية والتفكير النقدي، واستيعاب تعقيد العالم.

إن معارضة الكاتبة ليس للتعليم العلمي والتقني في حد ذاته، وإنما لإقصاء وإغفال القدرات الإبداعية والتقنية المرتبطة بالإنسانيات والفنون.

ثانيا: مهننة التعليم وتأثيرها على الديمقراطية

لكون الديمقراطية تتطلب جملة من المقومات والقيم، فإن تغليب قيم الربح الوطني في التعليم على حساب مهارات أساسية وحاسمة لبناء الديمقراطية، سيقود مستقبلا دون شك إلى انتخاب ماكينات مفيدة ربحيا، ولكن ليس مواطنين كاملين قادرين على التفكير في الآخر، ونقد التقاليد. لذلك تدافع الكاتبة بشدة على أهمية تعليم الإنسانيات والفنون في التعليم الأولي والثانوي والجامعي، باعتباره يمكن من إنماء القدرات الأساسية للتفكير النقدي والتأمل الجيد و"تعزيز مناخ مسؤول وإشراف يقظ وثقافة ذات إبداع خلاق".[3] وهي أمور حاسمة لبقاء الديمقراطية. صحيح أن الديمقراطية الحديثة تتطلب اقتصادا قويا وثقافة تجارية، لكن وحدها غير كافية، إذ تتطلب كذلك الاستفادة من الإنسانيات والفنون.

فإعطاء الأهمية لتدريس الإنسانيات في المدارس، سبيل أساسي لإنتاج مواطنين لأجل ديمقراطية صحيحة، باعتبار الديمقراطية تحتاج إلى التفكير النقدي والمحاججة، والإيمان بالآخرين كأشخاص متساوين، فعن طريق الفلسفة والفنون والإنسانيات يمكن إنماء العديد من القدرات الأساسية لدعم الديمقراطية، تشدد الكاتبة على ما يلي:

- القدرة على التفكير الجيد بشأن القضايا السياسية؛

- القدرة على الاعتراف بالمواطنين كأشخاص يملكون حقوقا متساوية، بالرغم من اختلافهم في العرق أو الدين أو الجنس؛

- القدرة على الاهتمام بحياة الآخرين، واستيعاب التمييزات الإيجابية داخل السياسات المختلفة؛

- القدرة على الحكم على القادة السياسيين بتفكير واقعي؛

- القدرة على التفكير في مصلحة الوطن ككل وليس في جماعة.

- القدرة على استيعاب تأثير قضايا مركبة على حياة الإنسان.

- القدرة على النظر إلى الوطن، كجزء من منظومة عالمية معقدة.[4]

إذا كانت العلوم الإنسانية قد لعبت دورها في دعم الديمقراطية، فإن التحولات التي عرفها التعليم في البلدان الكبرى أصبح مهددا، إذ في مختلف البلدان ثمة انحدار حاد لنسبة الطلبة المتخصصين في العلوم الإنسانية، مقابل تزايد الطلبة الحاصلين على شواهد مهنية.[5] ففي هولندا والسويد وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وبدرجة أقل الولايات المتحدة أصبحت هذه الظاهرة معتادة، ففي بريطانيا على سبيل المثال: "منذ العهد التاتشيري أصبح من الاعتيادي لأقسام الإنسانيات أن تطالب بتبرير نفسها للحكومة، التي تمول كل المعاهد الأكاديمية، بإظهار كيف بحثهم وتدريسهم يسهم في الربح الاقتصادي".[6]

ثالثا: التعليم ونشر قيم التسامح

إن جعل الشعوب تؤمن بصراع الحضارات، وتصور الشر في الآخر، وتبني فكرة المجتمع النقي كثقافة مصاحبة للجدالات حول الهجرة، واحتواء الأقليات الدينية والعرقية والإثنية...أضحت منتشرة في العديد من البلدان كأمريكا والهند، وهي ثقافة تناهض الاحترام المتبادل والإيمان بالاختلاف التي تعد من أهم الأفكار المدعمة للديمقراطية.[7]

وما يزيد من انتشار مثل هذه الأفكار الاعتماد المتبادل في المجال الاقتصادي العالمي، الذي جعل التفاعلات الإنسانية محكومة بالكسب والربح.

وتشدد الفيلسوفة الأمريكية على أهمية التربية الإيجابية داخل العائلة، والتعليم الجيد في المدارس في صناعة أفراد يشعرون بالآخرين ويحترمونهم كأناس لهم حقوق متساوية.

فالمدارس والجامعات في مختلف البلدان تتحمل مسؤولية مهمة في إنماء الإيمان بالاختلاف، وتباين الشعوب والبلدان لدى الأفراد وباستيعاب التاريخ، وتعزيز المواطنة العالمية والتوعية بها.

ويتطلب ذلك الكثير من المعرفة الواقعية المبنية على معرفة الجماعات المختلفة الإثنية والدينية والوطنية، وفهم كيف يشتغل الاقتصاد العالمي، ودور الاستعمار في الماضي، ودور الاستثمار الأجنبي والشركات متعددة الجنسيات، وتدريس اللغات الأجنبية، وذلك بطريقة منهجية.

على الرغم من اعتماد المؤلفة على نظريات علم النفس واستحضار نماذج دول غربية وغير غربية، وعودتها إلى الفلسفة اليونانية خاصة سقراط، وإلى تاريخ التعليم في أوروبا خلال القرنيين الثامن عشر والتاسع عشر في ألمانيا وسويسرا والولايات المتحدة، واعتمادها على استنتاجات وخلاصات كبار العلماء في هذا المجال كرابندرانات طاغور المفكر الهندي الحائز على جائزة نوبل في الآداب عام 1913، وجون ديوي، وجان جاك روسو، ودونالد ويتيكون، ورالف أليسون..[8] إلا أن تحليل الكاتبة لا يخلو من بعض الهفوات؛ أولها أن استنتاجاتها غير مبنية على معطيات إحصائية توضح من خلالها تراجع تعليم الإنسانيات والفنون في الدول الغربية كعدد الطلبة والأساتذة، وكراسي هذه المواد في جامعات الدول المتقدمة.

وثانيها، إغفال الكثير من منظري نظرية التنمية الاقتصادية أولا، الذين ساهموا بأفكارهم وتنظيراتهم منذ الستينيات من القرن الماضي كسيمور مارتن ليبست، وصمويل هنتغتون وفريد زكريا... التي تؤكد على أن الديمقراطية تتطلب تنمية اقتصادية، وأن بلوغ مستويات مرتفعة من الدخل والتصنيع والتعليم والتحضر يمكن من ترسيخ التعدد السياسي، والتي تنتقدها الكاتبة بشدة في كتابها، وكأنها بذلك تستبعد الدخول في مناقشة مختلف مبرراتهم في هذا الصدد، وهي ليست مبررات نظرية فحسب، بل حجج واقعية وكمية.

وثالثها، الاستغراق في سرد بعض التحليلات النفسية حول المراحل الأولى للطفل (الفصل الثالث نموذجا) بشكل يشوش على الإشكالية الرئيسة للكاتب.


[1] مارثا نوسباوم، "ليس للربح.. لماذا تحتاج الديمقراطية إلى الإنسانيات"، ترجمة فاطمة الشملال، جداول للنشر والترجمة والتوزيع، بيروت، 2016، ص 38

[2] المرجع نفسه، ص 42

[3] المرجع نفسه، ص 33

[4] المرجع نفسه، ص ص. 48- 49

[5] المرجع نفسه، ص 156

[6] المرجع نفسه، ص 162

[7] المرجع نفسه، ص 53

[8] المرجع نفسه، ص 16 وص 84

 

mominoin

Canon m50

alquds

إذا كان كتابك قد نشر بدون موافقتك أو موافقة دار النشر، يرجى مراسلتنا على البريد sooqukaz@gmail.com وسنقوم بحذف الرابط فوراً.